ابن كثير
24
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة استهلت هذه السنة والخليفة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بوصية أخيه يزيد الناقص إليه ، وبايعه الأمراء بذلك ، وجميع أهل الشام إلا أهل حمص فلم يبايعوه ، وقد تقدم أن مروان بن محمد الملقب بالحمار كان نائبا بآذربيجان وأرمينية ، وتلك كانت لأبيه من قبله ، وكان نقم على يزيد بن الوليد في قتله الوليد بن يزيد ، وأقبل في طلب دم الوليد ، فلما انتهى إلى حران أناب وبايع يزيد بن الوليد ، فلم يلبث إلا قليلا حتى بلغه موته ، فأقبل في أهل الجزيرة حتى وصل قنسرين فحاصر أهلها فنزلوا على طاعته ، ثم أقبل إلى حمص وعليها عبد العزيز بن الحجاج من جهة أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد فحاصرهم حتى يبايعوا لإبراهيم بن الوليد ، وقد أصروا على عدم مبايعته ، فلما بلغ عبد العزيز قرب مروان بن محمد ترحل عنها ، وقدم مروان إليها فبايعوه وساروا معه قاصدين دمشق ، ومعهم جند الجزيرة وجند قنسرين ، فتوجه مروان إلى دمشق في ثمانين ألفا ، وقد بعث إبراهيم بن الوليد بن هشام بن عبد الملك في مائة وعشرين ألفا ، فالتقى الجيشان عند عين الجر ( 1 ) من البقاع ، فدعاهم مروان إلى الكف عن القتال وأن يتخلوا عن ابني الوليد بن يزيد وهما الحكم وعثمان اللذان قد أخذ العهد لهما ، وكان يزيد قد سجنهما بدمشق ، فأبوا عليه ذلك ، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين ارتفاع النهار إلى العصر ، وبعث مروان سرية ( 2 ) تأتي جيش ابن هشام من ورائهم ، فتم لهم ما أرادوه ، وأقبلوا من ورائهم يكبرون ، وحمل الآخرون من تلقاهم عليهم ، فكانت الهزيمة في أصحاب سليمان ، فقتل منهم أهل حمص خلقا كثيرا ، واستبيح عسكرهم ، وكان مقدار ما قتل من أهل دمشق في ذلك اليوم قريبا من سبعة عشر ألفا أو ثمانية عشر ألفا وأسر منهم مثلهم ، فأخذ عليهم مروان البيعة للغلامين ابني الوليد ، الحكم وعثمان ، وأطلقهم كلهم سوى رجلين وهما يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيان ، فضربهما بين يديه بالسياط وحبسهما فماتا في السجن ، لأنهما كانا ممن باشر قتل الوليد بن يزيد حين قتل . وأما سليمان وبقية أصحابه فإنهم استمروا منهزمين ، فما أصبح لهم الصبح إلا بدمشق فأخبروا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد بما وقع ، فاجتمع معهم رؤوس الأمراء في ذلك الوقت وهم عبد العزيز بن الحجاج يزيد بن خالد بن عبد الله القسري ، وأبو علاقة السكسكي ، والأصبغ بن ذؤالة الكلبي ونظراؤهم ، على أن يعمدوا إلى قتل ابني الوليد الحكم وعثمان ، خشية أن يليا الخلافة فيهلكا من عاداهما وقتل أباهما ، فبعثوا إليهما يزيد بن خالد بن عبد الله القسري ، فعمد إلى السجن وفيه الحكم وعثمان ابنا الوليد وقد بلغا ، ويقال وولد لأحدهما ولد فشدخها بالعمد ، وقتل يوسف بن عمر - وكان مسجونا معهما - وكان في سجنهما أيضا أبو محمد السفياني فهرب فدخل في بيت داخل
--> ( 1 ) في المعارف ص 161 : بأرض الغوطة . ( 2 ) في ابن الأثير 5 / 322 والطبري 9 / 47 : ثلاثة آلاف فارس .